Bookmark and Share 

تحكم الأعضاء
أوقات الصلاة
الصبح 4:01
الشروق 5:22
الظهرين 11:40
العشائين 6:08
29/09/1431
08-09-2010 م
القائمة البريدية
للإشتراك في قائمة مراسلات الموقع





« وكانت صدّيقة »
رثاء الزهراء (ع) , 18/05/2008 م
بواسطة : المشرف العام

الرحيل

هَوَت الشمس.. اشتعلت حُمرتها في الأفق كجراحِ الشهداء... وشيئاً فشيئاً زَحَفت كتائب المساء ولَملَمت الشمسُ خيوطها ورحلت بعيداً.. وظهرت نُجَيمات تُومض بأمل، وفاطمة مشغولة دبّت في جسدها عروق الحياة.. قالت لأسماء بسَكِينة: ـ اسكُبي لي غُسلاً. فرحت أسماء وهي ترى سيدّتها تُقبِل على الحياة.. تخطو نحو العافية. اغتسلت فاطمة، وارتَدَت ثياباً جُدُدا، وتعطّرت بكافورٍ كان جبريلُ قد أهداه إلى أبيها. قالت فاطمة وقد شاعت ابتسامةٌ في وجهها: ـ افرشي لي وسطَ البيت.. فاطمة تستعد للرحيل... لم يكن في البيت أحد سوى أسماء.. أسماء تراقب فتاة تشعّ نوراً كلّما اشتدت ظلمةُ الأرض. قالت فاطمة قبل أن ترقد: ـ يا أسماء، أنا أستقبحُ ما يُفعَل بالمرأة بعد الموت: يُطرَح عليها ثوب فيَصِفُها للناظر... ألا تَصنعينَ لي شيئاً يَستُرني ؟ أجابت أسماء تُطيّب خاطرَها: ـ كنتُ بأرض الحبشة فرأيتهم يصنعون شيئاً، فإن أعجبكِ صنعتُ لك مثلَه. هزّت فاطمة رأسها موافقة.. وراحت تراقب أسماء وقد تدفّقت ينابيعُ الأمل في قلبها الكسير. أحضرت أسماءُ سريراً فأكبّته على وجهه ثم جاءت بجريد النخل وأوصلت بين قوائمه وشدّتها بحبال من الليف.. ثمّ ألقت عليه غطاءً. بان الرضى في وجه حوريّة الأرض وابتسمت: ـ نعم، اصنَعي لي مثلَه.. ما أجمل هذا يا أسماءّ!! استُريني ستَرَكِ الله. تمدّدت فاطمة في فراشها، ثمّ وضعت يدها تحت خدّها.. أغمضت عينيها ونامت... وكانت أسماء قد سمعتها تتمتم بصوت ملائكي: ـ السلام على جبريل. إلهي في رضوانك وجوارك ودارك دار السلام. فاحت في الفضاء رائحة الجنّة.. كانت أسماء تنظر إلى وجه ملائكي لسيّدة ودّعت الأرض في عنفوان الشباب زهرةً ذابلة في قلب الربيع.. حمامة بيضاء كسيرة الجناح.. حوريّة شهيدة. وجاء عليّ وقد بدا مكسورَ الظهر كما لو أنّه يحمل جبالاً من الحزن، وبيدٍ مرتعشة ناولته أسماء رقعةً كانت فاطمة قد كتبتها قبل أن تغفو. تجمّعت الدموع في عينَي عليّ كغيوم ممطرة.. وغرقت الكلمات كحمائم تتقاذفها الأمواج: ـ بسم الله الرحمن الرحيم.. هذا ما أوصَت به فاطمةُ بنتُ رسول الله صلى الله عليه وآله.. وهي تشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمّداً عبده ورسوله.. وأنّ الجنّة حقّ والنار حقّ وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها وأنّ الله يبعث مَن في القبور.. يا عليّ، أنا فاطمة بنت محمّد، زوَّجني اللهُ منك لأكون لك في الدنيا والآخرة.. حَنّطْني وغَسِّلْني وكفّنّي وصلِّ علَيّ وادفِني بالليل ولا تُعلِمْ أحداً، وأستودعك الله إلى يوم القيامة ». وقف عليّ مذهولاً، كانت فاطمة سَكَناً.. ملاذاً، وكانت عزاءه الوحيد.. وها هي تودّعه.. تتركه وحيداً في مَهبٍّ إعصار فيه نار. وقف عليّ ينوء بجبال الحزن.. بركان الغيوم.. ولقد توقف القلب الذي كان يتدفق حبّاً وانطوت صفحة كانت مشرقةً، وانطفأ شعاعٌ كان يضيء طريقه في الحياة. وانكسر « ذو الفقار »... ورحلت طيورُ الفرح.. الظلام يغمر الأرض، والنجوم تشتدّ بريقاً كعيون تتطلّع إلى كوكبٍ تهشّمَ فوق الأرض. وقف التاريخ حائراً، وقد اشتدّت ظلمة الليل، والحزنُ يجوس المدينة كغيمةٍ تبكي بصمت، وعواء ذئاب بعيدة تنذر برحيل السلام. ها هي الحورية تترك الأرض لأهل الأرض.. وتعود إلى السماء. وجاء أهل المدينة يوارونها الثرى، فقال لهم أبو ذر: ـ انصرفوا فقد أُخّر إخراجها. انصرف الناس.. فيما ظلّ التاريخ حائراً يترقّب. نامت المدينة.. أغمضت أجفاناً مُثقَلةً بالحزن والدموع... بَدَت يثربُ تلك الليلة راهبةً تبكي بصمت.

فقدُ الأحبّة غُربة

فاطمة نائمة واضعةً يدها تحت خدّها... وقد غادرت الروح العظيمة إهابَ جسدٍ نحيل ينتظر عودته إلى مصدره، فقد ناء بحمل الروح وآن له أن يستريح. لم يكن في حجرة فاطمة أحد سوى صبيّين وبِنت ورجالٍ صَدَقوا. كان التاريخ يُصغي إلى تَمتماتِ صلاةٍ وبكاء يحكي نشيجَ الميازيب في مواسم المطر. شَعرَ التاريخ بالإعياء وهوّمت عيناه وهو ينتظر في الظلام.. أغمض عينيه فانسَلّت فاطمة كطيفٍ مضيء.. ولمّا استيقظ لم يجد شيئاً ووجد عليّاً واقفاً ينفض عن نفسه الغبار ويهمس في أذن الرسول: ـ السلام عليكَ يا رسول الله عني وعن ابنتك النازلةِ بك والسريعة اللَّحاق بك، قَلّ يا رسولَ الله عن صَفيّتك صَبري ورَقّ عنها تَجلّدي... أمّا حُزني فسَرمد، وأمّا ليلي فمُسهَّد، إلى أن يختارَ اللهُ لي دارَك التي أنت بها مقيم، وستُنبّئكَ ابنتُكَ بتظافرِ أمّتك على هضمها، فاحْفِها السؤالَ، واستَخبِرها الحال، هذا ولم يَطُل العهدُ ولم يَخلُ منك الذِّكر، والسلام عليكما سلامَ مُودّع.. لا قالٍ ولا سَئِم، فإن أنصرِفْ فلا عن مَلالة، وإن أُقِم فلا عن سوءِ ظنٍّ بما وَعدَ الله الصابرين. ونهض عليّ يواجه الدنيا وحيداً، يشعر بالغربة.. فلقد وارى بيده آماله وقلبه وسيفه ذا الفقار... وتمتم بحسرة: ـ فقدُ الأحبّة غربة. وقف التاريخ يُقلّب كفّيه على ما أنفق من وقت، وها هي فاطمة ترحل بصمت لا يعرف أين مستقرّها. ماذا سيقول للعالم ؟ انّه لا يعرف عن هذه الفتاة شيئاً.. فقائل يقول إنّها جاءت إلى الدنيا قبل أن يهبط جبريل بخمس سنين، وقائل يقول بل بعد جبريل بخمس سنين، وآخر يقول وهو ثالث القائلين.. إنّها جاءت مع جبريل ثم مكثت في الأرض عددَ سنين، فلما غادر جبريل الأرض أخذها معه. لكأنّها حورية جاءت إلى الدنيا ثمّ عادت إلى الجنّة تخطر بين الأشجار الخالدة؛ ليبقى طيفها في الأرض ما دامت السماوات. استيقظت المدينة تبحث عن فاطمة وقد رحلت فاطمة... وجاء الشيخان يبحثان في الأرض وكان أحدهما يتوعّد... حتّى همّ بنبش رُفات المقابر، وكان التاريخ يَجوس خلالَ البقيع يقلّب كفيه حائراً لا يدري أين فاطم.. شمّ رائحة الجنّة في بقعة بالبقيع.. فقال: هنا ترقد فاطمة. وفاحت رائحة الفردوس حيث يرقد محمّد بسلام.. فقال: بل ها هنا. ورأى ملائكة تهبط في حجرتها فأشار بيده المعروفة وهتف: بل هناك. وحار الشيخ ماذا يقول للقوافل المسافرة كلّما مرّت أمّة سألته عن قبر لفاطمة فيقلّب كفّاً معروقة ويقول: ـ لا أدري. وتمضي القوافل تتعجّب من شيخٍ يفتح عينيه على كلّ شيء إلاّ على فاطمة.. ولمّا ضاق الشيخُ ذَرعاً بالقوافل عاد إلى حجرة فاطمة يعتذر إليها.. أشعل شمعة وراح يراقبها.. كانت الشمعة تتوهّج.. تذوب.. تسيل دموعها بصمت.. وشيئاً فشيئاً كانت تذوي ويخبو نورها حتى انطفأت وساد الظلام.

رواية « وكانت صدّيقة » تأليف: كمال السيد

طمطم - توت ( صفوى )

التعليقات (0)
القائمة الرئيسية


1: Select 'Tools' --> 'Internet Options' from the IE menu.
2: Click the 'Advanced' tab.
3: Check the 2nd option under 'Security' in the tree (Allow active content to run in files on my computer.)

السيد القائد

المسرحية الممسوخة

للدخول لألبوم الصور اضغط نا