|
|
||||||||||||
|
تحكم الأعضاء
أوقات الصلاة
القائمة البريدية
![]() |
الرقي الروحي 6 - شرح حديث عنوان
الرقي الروحي , 19/09/2009 م
بواسطة : سماحة الشيخ علي المبارك
الرقي الروحي
شرح حديث عنوان البصري
الدرس الأول
قضية العلم والحرص عليه والإهتمام به وبالعلماء
إن الحديث الشريف يحتوي على عدة مقاطع تشير إلى الحرص والإهتمام الكبير من قبل هذا الرجل (عنوان) على تحصيل العلم بطلب العلم مع كـِبَر سنه (94 سنه), بل أيضاَ يتوسل لكي ينال العلم من الأستاذ, فكل عمره علم في علم. وهذا سلوك العاقل والعقلاء
عن النبي (ص), في وصفه العاقل الكامل: لا يسأم من طلب العلم طول عمره
يقول عنوان البصري: 1- " كنت أختلف إلى مالك بن أنس سنين فلما قدم جعفر الصادق (ع) المدينة اختلفت إليه, وأحببت أن آخذ عنه كما أخذت عن مالك"
تأمل في عبارة " وأحببت أن آخذ عنه كما أخذت عن مالك", فإنه في هذا السن الكبير لا زال يملك الشوق والرغبة في تحصيل العلم والحرص عليه.
2- " وقلت: أسألك يا الله يا الله أن تعطف عليَّ قلب جعفر وترزقني من علمه ما اهتدي به إلى صراطك المستقيم.."
فقد ذهب إلى المسجد النبوي الشريف ليتوسل – بعد أن رفض الإمام (ع) تعليمه – لله تعالى لكي يقبل الإمام (ع) تعليمه, ولو كان غيره ممن لا يملك العقل الكامل لجعل ذلك الرفض إهانة, ومبرراً للطعن في الإمام, وتبريراً لعدم التعلم كما هو ملاحظ في سلوك الكثير من الذين يبررون تقاعسهم عن مجالس العلم والعلماء بأعذار سخيفة, وضعيفة, من عدم وجود مواقف للسيارات أو للإزدحام أو بـُعد المسافة بينما يبذلون الجهد الكثير والتضحيات الكبيرة لأجل خفنة من المال أو لهو أو شهوة حقيرة.
ولم يكتف عنوان بالتوسل بل استعمل التودد والتذلل 3- " فلما حضرت باب داره استأذنت عليه فخرج خادم له فقال: ما حاجتك؟ فقلت: السلام على الشريف. فقال: هو قائم في مصلاه. فجلست بحذاء بابه فما لبثت إلا يسيراً إذ خرج الخادم...."
ما هذا التذلل لنيل العلم؟ حتى أنه جلس على بابه منتظرا؟!!!
إن عبارة "هو قائم في مصلاه" معناها أن الإمام (ع) مشغول فانصرف من حيث أتيت, فالإمام لا يستطيع أن يستقبلك. إنه يتوسل ولم يكتف بذلك بل يتذلل. فلماذا يذل نفسه؟
إن صاحب العقل الرجوع, والعقل الناقص, بل الجاهل, لا يدرك ماهية هذا التذلل بل يخطىء فيتهم عنوان بأنه مخطىء, وأن عمله هذا سفيه. ولكن أين العقول من العقل الكامل؟ وأين العالم من الجاهل؟!!
إن عنوان يدرك أمراً لا يدركه إلا القليل ممن كمّلهم الله بنور العقل والمعرفة وهو الذل الأبدي والدائمي, والذل الآني وإذا خيّر العاقل بينهما فلا شك أن سيختار الثاني. إن الإنسان بقاؤه في إطار الجهل والظلمات معناه الذل الأبدي, إذ الجهل ذل والعلم عز وشرف. (1) النبي (ص): من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقى في ذل الجهل أبداً
(2) أمير المؤمنين (ع): من لم يصبر على مضض التعليم بقى في ذل الجهل طول عمره
إن عز الأمم والشعوب والأفراد بالعلم والتعلم, وذلها وحقارتها بالجهل. انظروا إلى الأفراد, فكم فرد فقير عاش الفقر فإذا هو بالعلم أصبح غنياً وعزيزاً؟ فكم فقير بعد أن أصبح عالماً في الطب والهندسة ,... أصبح مؤثراً وميسوراً يعيش الحياة الكريمة والهنيّة, وتنظره الأعين بالإحترام والتقدير بل أصبح عزيزاً مكرماً. وكم من غني بجهله أصبح ذليلاً حقيراً ولم تنفعه أمواله أو أموال أبيه في تعويض ذلك العز والجاه السليب, والمكانة المفقودة؟!!
بل الشعوب والأمم كاليابان وألمانيا وغيرها أصبحت تملك مقاماً عالمياً بين الأمم بسبب العلم والتعلم, والمسلمون حالهم هو الوهن والضعف والفقر مع كونهم يملكون أكثر ثروات العالم لكونهم أهملوا العلم والتعلم وكان همهم الأكبر والشاغل الذي ليس له فوقه شغل وهـَم هو المال وكيفية جمعه ولو بأساليب الخدع والمكر والحيل, فكانت النتيجة هي الذلة والحقارة.
فالعلم شجرة ثمارها الخير والإزدهار والتقدم, وكل بركة مصدرها العلم والمعرفة, وكل شر وسوء مصدره الجهل.
(3) النبي الأكرم (ص): العلم رأس الخير كله, والجهل رأس الشر كله
إن العلم هو المصدر الذي يمد الخير بالحياة والفعالية والإنتشار والتأثير, وكذلك الجهل هو مصدر حياة الشر وآثاره, فهما أصل كل خير وأصل كل شر
(4) أمير المرمنين (ع): العلم أصل كل خير والجهل أصل كل شر
(5) الإمام الصادق (ع): العلم أصل كل حال سنيّ, ومنتهى كل منزلة رفيعة
وبذلك يعلم لم هذا التذلل للعلم والعلماء من قبل عنوان وأن عمله ينسجم مع العقل والعقلائية, إذ العاقل حريص على تحصيل كل نفع وخير فيه سعادته المنشودة سواء كانت دنيوية أو أخروية
بل إن حالة وصفه الشغف والحرص الكبير عند عنوان هو من صفات المؤمنين:-
(1) أمير المؤمنين (ع): العلم ضالة المؤمن
(2) كما أنه من صفات المتقين كما في النهج (في وصفه للمتقين)
" ومن علامة أحدهم أنك ترى له قوة في دين, وحزماً في لين, وإيمانا في يقين, وحرصاً في علم, وعلماً في حلم"
إن المتقين والمؤمنين من أجلى صفاتهم هو الحرص على العلم وحب التعلم لأنه هو السبب والطريق إلى مولاهم ومحبوبهم
(3) أمير المؤمنين (ع): بالعلم يـُطاع الله ويُعبد, وبالعلم يُعرف الله ويُوَحـَد, وبالعلم تــُوصَل الأرحام, ويُعرف الحلال والحرام
ولأنه هو الطريق إلى المراتب الإيمانية, والرقي الروحي ففي الكافي بإسناده للنبي (ص): العلماء ورثة الأنبياء
إن الأنبياء هم الآباء الروحانيون للبشرية, والذي يخلق هذا المنصب, والأبوة الروحانية هم العلماء. فهم آباء المتقين وآباء المؤمنين وآباء الشهداء, وآباء لكل خير وبركة
(4) وفي البحار عن النبي (ص): أفضلكم إيماناً أفضلكم معرفة
فالعلماء ورثوا هذه الأبوة ببركة العلم, وبفضل أجلى وأبرز صفاتهم التي هي سبب لكل صفة جميلة وخير وهي العلم والمعرفة
وهل هناك مقام روحي ومعنوي أرقى من ذلك؟!!
فتحصل:- إن على السالك, بل من يريد أن يكون سالكاً, ويصبح وصفه بالسالك إلى المولى سبحانه وتعالى أن يهتم ويحرص على العلم والتعلم فيجعله أهم قضية في حياته, مقدماً إياه على كل عمل وهدف.
هذه هي صفة السالك إلى الله, فلو وجد الإنسان المريد سلوك طريق الوصول والقرب الإلهي ضعفاً إرادياً, وعدم رغبة, وخمول نحو العلم والتعلم وأهله - كما هو عليه أكثر الناس من العامة – فماذا يفعل؟
لو وجد عنده الزهد في العلم والتعلم والعلماء, ماذا يصنع ليعالج هذا الكسل وهذا الخمول؟
ما هو الطريق والسبيل لإيجاد الرغبة والشوق في العلم والتعلم؟
ما هو السبب الذي يوجد لنا المحركية والباعثية نحو العلم والتعلم؟
كيف يعالج هذا الخمول والكسل؟
إن العلاج لأي مشكلة سواء كانت مادية أو روحانية يبدأ من خلال معرفة أسباب المشكلة أي نتعرف على العلة المحدثة لذلك, فالطبيب المادي إذا ارتفعت حرارة المريض يبحث عن سبب ذلك فيحاول التعرف عليه ومن ثم استئصاله لرابطة العلة المحدثة بمعلولها وجوداً. وهكذا هنا أيضاً في الأمراض الروحية يطبق الأستاذ الروحي هذا المنهج العقلي والعقلائي بالتعرف على أسباب المشكلة الروحية ومن ثم البدء في وضع برنامج لزوال تلك الأسباب ومن ثم المعلول والمرض بناء على الرابطة بين المعلول والعلة والمرض وعلته. وهذا المنهج سيكون متبعاً في علاج الأمراض الروحية كما هو متعارف عند علماء الأخلاق والعرفان العملي.
بناء على ذلك يأتي هذا التساؤل:
ما هو سبب هذا الخمول والكسل؟
ما هو منشأ الزهد في العلم والتعلم؟
ما منشأ عدم الرغبة في العلم والعلماء الروحانيين؟
إن هنا أسباباً ثلاثة:
السبب الأول:
الجهل بقيمة العلم والعلماء وأهميته خصوصاً العلوم الإلهية والمعارف الأخروية, فالشعور بعدم الحاجة والغنى عن هذه المعارف سببه هو الجهل بدور هذه المعارف في تحقيق السعادة المعنوية والأخروية فضلاً عن الدنيوية, فما هو العلاج؟
هو أن يكسر الإنسان جدار الجهل فيتعرف على قيمة العلم والعلماء, وآثار وبركات العلم على الحياة الدنيوية والأخروية, وكذلك يتعرف على الجهل والجهلاء وآثارهما السلبية والكبيرة على الحياة الإجتماعية والفردية إذ بهذا الإطلاع والتعرف يوجد في نفسه الرغبة والشوق للعلم وأهله, والنفور من الجهل وأهله, فعليه أن يقرأ الكتب التي تكلمت عن العلم والعلماء والجهل والجهلاء كالمجلد الأول والثاني من بحار الأنوار والمجلد الأول من أصول الكافي وغيرها من الكتب التي تكلمت عن العلم والعلماء وبركاتهما على الأمة والمجتمع ونشير إلى بعض تلك الآثار بصورة مجملة, ومن أراد فليراجع ما ذكرنا:
(1) الثواب الكثير:
أيها الإنسان إذا كنت طالباً للثواب الكثير, فالعلم يحقق لك ذلك بأيسر الطرق وأسهلها وذلك بأن تعلم نفس العلم فيه الثواب الكبير
النبي (ص): من طلب العلم فهو كالصائم نهاره, القائم ليله
وكذلك عن طريق جعل الأعمال والعبادة صحيحة ومتقنة بالإضافة إلى علو الذات والروح والمقام المعنوي
النبي (ص): أفضلكم إيماناً أفضلكم معرفة
(2) إن العالـِم أفضل من العابد
الإمام الصادق (ع): العالِم أفضل من ألف عابد وألف زاهد
(3) إن العلم أفضل من العبادة
(4) قبول الأعمال
(5) العلم حياة والجهل موت
(6) مِداد العلماء خير من دماء الشهداء
(7) الرضا بالقضاء
أمير المؤمنين (ع): الرضا ثمرة اليقين
التقوى والإستقامة والصلاح والزهد في الدنيا والصبر والتوكل على الله والوحدة والألفة والتوحيد وغيرها من البركات, فراجع.
وبالجهل تأتي المضادات لهذه البركات والخيرات فيأتي الفساد والفرقة وعدم الصبر والشرك وغيرها.
فهل يحق لنا بعد ذلك أن نزهد في العلم والتعلم؟!!
وهل يصح من العاقل أن يسكل لنيل تلك المنافع؟!!
السبب الثاني:
فقدان القضايا الأخروية وفقدان الآخرة للقيمة والأهمية عند الإنسان. الزهد في ما عند الله, والزهد في المعاد واليوم الآخر, وبدار ما يرتبط بذلك العالم هو سبب أساسي في بدار كل ما يرتبط بذلك العالم من قضايا وهموم ومن ذلك العلوم الإلهية والعلماء الورحانيون. إن طغيان المادة, وسيطرة الحياة المادية على جميع شؤون واهتمامات وأوقات الإنسان جعل ما بعد الموت والآخرة وما يتعلق بذلك في دائرة النسيان والإهمال. فالإنسان يسعى لتطوير البيت الذي يسكن, أو تطوير الأبناء علمياً ومادياً, وتطوير الوظيفة وتطوير ....و..., ول لماذا لا يسعى لتطوير صلاته وصيامه و...؟
لماذا لا يسعى لرقي ثقافته الفقهية والأخلاقية؟
لماذا لا يسعى لتطوير العلاقة مع الله سبحانه, كما يسعى – دائما – لتطوير علاقاته مع أخيه الإنسان من زوجة أو صديق أو....؟
إن الإنسان يصلي صلاة – كما هي – لمدة عشرين سنة لو كثر, ولا يحاول أن ينمي الخشوع والتوجه فيها, بل لا يدخل ذلك في دائرة الوعي والشعور كأنه ليس مطالباً بذلك, ويصوم صوما – كما هو – لمدة من الزمان طويلة من دون أن يسعى لترقية ذلك الصوم بالثقافة الفقهية والروحية فكل شي تجد فيه رقي وتطور وتكامل إلا القضايا الروحية والأخروية.
فلماذا لا نسعى للرقي والتطور في أعمالنا الأخروية – كالدنيوية؟!!!
السبب هو فقدان ذلك الشي قيمته السوقية والشرائية فلذلك لا نعيره اهتماماً ورعاية إذ الإنسان يحوط ما يحب ويطلب ويعشق.
إذن المرض هو "أحب الدنيا"
هذا المرض الخطير يسير إليه الحديث الشريف: حب الدنيا رأس كل خطيئة
فلذلك علينا أن نبحث عن أسباب هذا المرض. " وما هي أسباب حب هذه الدنيا ؟"
ولكن نؤجل هذا البحث إلى مرحلة اليقظة عندما نبحث أسباب الغفلة التي منها حب الدنيا, وهو بحث طويل وشائك لوجود اللبس عند الكثير في معرفة مفهوم الدنيا, وما هو المراد منه.
السبب الثالث: الكبر والغرور الذاتي عند الإنسان
إن الإنسان قد يدرك قيمة العلم والعلماء الروحانيين, ويريد الآخرة وتحت نظره واهتماماته ولكن ماذا يفعل بغروره وكبره وإعجابه بنفسه "المرض النفسي"؟!
أنا ابن فلان, وأبي فلان, وجدي فلان, وانا من العائلة الفلانية, وأنا صاحب التخصص المعين, وأنا صاحب المكانة الإجتماعية وأنا صاحب الوظيفة المعينة, وأنا وأنا وأنا,.....ألف أنا "قاتلها الله"
كيف أحضر مجلس فلان متعلماً؟
إن لازم ذلك هو الدونية الدائمة, والتبعية الدائمة, فهو شاهد حس على علوّه ورفعته عليَ, وأني أقلّ منه مقاماً ومكانة ً.
أليس المطلوب مني أن اسأله وأتواضع له؟
إن ذلك ذلة وحقارة و.....
صدق النبي الأكرم (ص): إن النفس هي أم الأصنام
إن الغرور والكبر سبب لتمرد الإنسان على قناعته وعلمه, والعمل المتناقض لذلك العلم والمعرفة أي عدم الإنقياد والتسليم لمعرفته وعلمه والتمرد والرفض لتلك المعارف مع كونه معتقداً بصوابها وصحتها.
قال تعالى } سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ{ الأعراف/146
لقد أشار القرآن الكريم إلى أن أحد أكبر المشاكل التي واجهت الأنبياء والرسل, وأحد الموانع الكبرى التي وقفت أمام رسالتهم وقبولها والتفاعل معها هو "الكبر والغرور" ولقد سرى هذا التعامل إلى ورثتهم وحاملي رسالاتهم أعني العلماء والروحانيين.
ولا بأس باستعراض بعض الآيات:
1- قال تعالى: }وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولاً{الإسراء/94
2- قال تعالى: }ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ{ التغابن/6
3- قال تعالى: }وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاء الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ. وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ{ المؤمنون/33-34
لسانهم: بماذا تمتازون علينا حتى نقبل كونكم أنبياء ورسل؟
ما هي الخصوصية التي تمتازون بها علينا؟
أنتم ونحن سواء, فما عندكم عندنا؟ ألسنا نشترك في البشرية؟!!
إن هذا المنطق أي منطق الكبر والعلو الذاتي, منطق المتكبرين لم يلق استجابة وأذاناً صاغية – إلا من المغفلين – من العقلاء والحكماء إذ هو منطق مخالف للسنن الكونية الحاكمة حتى على المتكبر إذ يقول
سبحانه وتعالى: }قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ{ ابراهيم/11
أيها المتكبرون, نخاطبكم بلسان حالكم, وحديث أنفسكم:
ألستم تؤمنون بأن لكم قدرات وكفاءات ومقامات تمتازون بها عن الآخرين؟ أليست هي من المعطاء الإلهي؟ فكما أعطاكم أعطاهم!!!! فلمَ أنتم محل العطاء الإلهي دون غيركم؟!!!
فإذا أدرك المتكبرون على الحق والحقيقة وأهلها بأن منطقهم أوهن من بيت العنكبوت, ولا يلقى استجابة عند من حباه الله بالعقل والعقلائية, انتهجوا أسلوب الشائعات والتـُهم في الرسل والأنبياء واتباعهم "الحرب الكلامية" فتارة تكون ضد الأنبياء والرسل والعلماء:
قال تعالى } فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ{ المؤمنون / 24
إن فلاناً يريد أن يكون قائداً أو ملكاً أو رئيساً أو يريد ان أن يكون صاحب فضل عليكم, وأن مقامه أرفع منكم, أي هدفهم هو ذواتهم لا ما يقولون وتارة تكون ضد أتباعهم – بعد فشل الحرب الأولى:
قال تعالى }فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ{ هود/24
إن أتباع النبي والعالِم الفلاني أناس لا مال لديهم, ولا جاه ولا مكانه إجتماعية ولا ولا ... التي هي معيار التفاضل عند هؤلاء القوم. بل أتباعهم هم أصحاب الآراء الساذجة والبسيطة, وأصحاب الأفكار السطحية وهم لا يملكون لا حكمة ولا فكر ولا ولا ولا ....
فهل تريدوننا أن نهين أنفسنا بمعاشرة هؤلاء ومجالستهم, بل وأعظم من ذلك إتباعهم؟!!!
إنها إهانة ليس فوقها إهانة وحقارة ليس بعدها حقارة
فعلاً إن النفس هي الصنم الأكبر لا الشيطان ولا هـُبـَل ولا ولا
وصدق مولانا أمير المؤمنين (ع) حيث قال: " أعدى عدويك نفسك التي بين جنبيك "
إن النفس وحب الذات هو السبب الأكبر لهذا المرض الخطير إذ الإنسان بحبّه لذاته ولكل ما يصدر منها يَعشى العقل عن إدراك خلل تلك التصرفات الصادرة منها بل الموقف الدائم هو حسن الظن بالذات, المستوجب للغفلة عن نواقص الأفعال والتصرفات, وهو حجاب يصعب كسره إلا مَن أراد الله هدايته ببركة صدقه وإخلاصه, ونيـّة صادقة للوصول إلى القرب والرضا الإلهي حينئذ يوفق الإنسان للإتفات إلى أنه مبتلى بالكـِبر وأن مواقفه وآراؤه كلها موزونه بما يتوافق مع الكـِبر الذاتي لا الحق والحقيقة, ولا العقل والعقلائية, أي قائمة على استحقار الغير وتعظيم الذات مما يلزم منه ويترتب عليه احتقار ورفض وسوء الظن في كل ما يصدر من هذا الغير.
أمير المؤمنين (ع): شر آفات العقل الكـِبر
إن علماء الأخلاق من ذكروا علاجاً علمياً وعملياً للكبر ولكن هذا العلاج لمن أدرك وقطع بأنه مريض بالكِبر, أما من لم يكن مدركاً لمرضه, فكيف يتفاعل مع تلك الوصفة أو يذهب للطبيب؟!!!!
فلذلك نرى أن السبيل الأقصر للإنسان هو " النية الصادقة والسليمة مع مولاه سبحانه"
لأن صدق العلاقة مع المولى, والطهارة القلبية تستوجبان من المولى سبحانه وتعالى الرحمة الخاصة والرعاية الخاصة والتسديد والتوجيه.
قال تعالى: } وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا{ العنكبوت /69
قال تعالى: } وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا{ الطلاق /2
وشرط هذا التوجيه والتسديد هو "النيّة الصادقة والسليمة" فالحركة والموقف, والصمت والكلام, والإنتماء و ... كلها بنية صادقة أن المقصود والمطلوب بالذات هو الله سبحانه لا الذات ولا الغير (الناس). حينئذ تشع نور الروح, ونور الهدى على كل كيانك فترى ما لا يرى غيرك, وترى الإلهام الإلهي وأن هناك من يسددك ويخاطب عقلك ووجدانك في جميع أمورك, وجميع شؤونك وأفعالك.
(1) ففي البحار بإسناده عن الإمام الصادق (ع) قال: قال إبليس (لع): خمسة ليس لي فيهم حيلة وسائر الناس في قبضتي: الأول من إعتصم بالله بنية صادقة وأشكل عليه في جميع أموره
(2) في مصباح الشريعة عن صادق أهل الطهارة عليهم الصلاة والسلام عن آبائه (ع) عن جده محمد (ص) عن الله عز وجل, قال:
" إني لا أطـّلِع على قلب عبد فأعلم منه حب الإخلاص لطاعتي وابتغاء مرضاتي إلا توليت تقويمه وسياسته"
وصل الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
|
القائمة الرئيسية
السيد القائد
![]() |
||||||||||
Alhajar Portal v1.0 alpha 2006, Licensed to albaqeyah.info ![]() |
||||||||||||




